الجمعة، 24 يوليو 2009

ليلةٌ سقط فيها القمر

حينما خيّم الليلُ على الأرجاءِ واكتستْ الدنيا بثوب السوادِ البهيم الهادئ ، رافقتني الظلمة ولا أحد سوانا يعبر ذلك الطريق ، فإذا ببصري يتجه نحو السماء التي كانت على درجةٍ من السوادِ غير معهودة .. تلفّتُ يمنةً ويسرة أبحثُ عنه ! أين ذهبَ ياتُرى ؟ أين اختفى ؟ مالذي يجري ؟
فجأةً .. لمحتُ خيطاً من خيوطهِ الفضّية منسلاً بين تلك الشجيرات .. فاتجهتُ نحو مصدر الضوء ووجدته على أرجوحةٍ ذهبيةٍ مطوّقةٍ بسناهُ اللامع ،
فسألته : "مابك يا صديقي القمر ؟"
جاوبني ودمعاته تنحدر انحدار السيل : " لم يعد لي أي معنى هناك ، لأدع غيري يتربّع على عرش السماء ..فأهل الأرض ملوني ! "
تفاجأتُ بقوله وسرعان ماعلّقتُ : " أيملوك ؟؟ كيف وفيهم من سحره ضياؤك ، ومن أحبك وعشق التأمل بجمالك ؟ أيملّوك وفيهم من أطلَعَك على أسرار ٍوحكاياتٍ وقصص ؟
أيها القمر لاترحل وتترك قلوب القوم تشتعلُ حزناً على فراقِ رواءِ الحياة ودوائها .. إننا بحاجة إلى نورك المبدِّد للظلامِ ووجودِك المُـحيي للأرواح .. لاترحل وتترك الحزن ينفينا خارج مدن السعادة والهناء "
صمت برهةً ثم قال : " دعيني أتأكد .. وبعدها سأقرر "
استأثرَ الوحدة وابتعد عني .. فمضيت أبحث عن شيء ما عله يسعفني في إرجاع القمر عن قراره .

" مرآة جدتي !!! "

على الفور تذكرت مرآةً احتفظُ بها منذ نعومةِ أظفاري لأنها أغلى من كل كنوز الأرض ، كانت جدتي قد أهدتنيها قبل أن تُفارِق روحها الطيبة أرضنا ، وأخبرتني أنه في يوم من الأيام سأتمكّن من رؤية ما أتمناه على سطحها الصافي إذا ماكان هدفي الخير ونيله .. فأتيتُ بالمرآةِ واقتربتُ من القمر .. لأقول له بصوتٍ مليء بالحماس : " انظر وسترى صور ضحايا غيابك ياقمري العزيز ! "
" انظر .. إنها طفلة صغيرة تقف كعادتها عند النافذة تبحث عنك فلم تجدك .. ظلت تبحث وتبحث حتى غلبها النعاس من دون أن تسمع حكايتك ..
وهناك على طرفِ البلدة رسّامٌ ينتظرُ قدومك لينقش بفرشاته وألوانه روايةً جديدةً يرويها بياضُ محّياك .. وأعلى التلةِ الخضراءِ صبيّة حزينة تستشِفُّ بعينيها الواسعتين بقايا سناك لتحكيه وقائع يومها وتفضفض عما يصول ويجول في نفسها
الجميع يحبك .. من رحل والراحلون .. الكل يحس بك ويحنو عليك .. مارأيك ؟ أأنت عازمٌ على الرحيل ؟؟
وعلى وجه السرعة قال : " لا .. بل سأبقى !
سأبقى لأطل على تلك الطفلةِ وأقرأ لها حكاية ماقبل النوم .. سأبقى لأُلهِمَ رسّاماً ينتظرني وأنصتَ لصبيةٍ إءتمنتني .. ولشاعرٍ يسامر وحدتي ولطفل يحاكيني .. سأبقى من أجلهم .. ومن أجلهم سأبقى !
********

(لهذه القصة مكانةٌ خاصة في نفسي ، لأنها تذكّرني بأيام طفولتي أيام الشغف الكبير بالقصص المصوّرة والحكايات ..
عرضتُ النسخة الأولى منها على معلّمتي عندما كنت في الصف التاسع .. وأعجبتْ بها أيما إعجاب ..
حتى أنني أتذكر كلماتها المكتوبة بخطّ الذهب على هامش الورقة : قلم يستحقّ الاحترام ، وينبئ بولادة كاتبة جديدة ..
لها أبعث تحيّتي هذه الليلة! )

هناك 3 تعليقات:

  1. ويبقى القمر ومض أمل في حياة البائسين ..!
    /
    جميلة بخيالها ..
    بمعانيها ..
    بحروفها ..
    بكل ما فيها !
    \
    ولمعلّمتكِ أرسل تحيّة !

    ردحذف
  2. و سيبقى القمر ،
    ليبدد ظلمة الليل الحزينة بدونه !

    ؛

    أسما ،
    أحببتها بحق يا مبدعة (:

    ردحذف
  3. مرايم: وهو كذلك! لك الشكر الجزيل وأمنياتي بأن تصل التحايا إلى تلك المعلمة العظيمة :)

    غين: وأنا بدوري أحببت تعليقكِ البديع بحقٍ يا غاليتي .. *شكراً* أبعثها من هنا إلى آخر الحدود ..

    ردحذف